أبو نصر الفارابي

28

كتاب الحروف

ولفظة الحروف تقال على معان . منها حروف الهجاء أو حروف التهجّي . والحرف بهذا المعنى « صوت له فصل ما يحدث فيه بقرع شيء من أجزاء الفم . . . وفصولها التي يتميّز بها بعضها عن بعض إنّما تختلف باختلاف أجزاء الفم القارعة أو المقروعة » ( الفارابيّ « شرح . . . العبارة » ص 29 ، س س 10 - 12 ) . والفارابيّ يبحث في حدوث الحروف بهذا المعنى في الفقرات 114 - 119 من كتاب « الحروف » ( ص ص 134 - 137 ) ضمن البحث في أصل اللغة ونشوئها واكتمالها . لكنّ الكتاب لم يسمّ كتاب « الحروف » لهذا السبب ، والحروف التي يبحث فيها أكثر ما يبحث ليست حروف الهجاء . والحروف موضوعة لعلوم عدّة تبحث في طبائعها وخواصّها ، انتشرت في القرنين الثالث والرابع من الهجرة ( وهو عصر جابر بن حيّان وإخوان الصفاء ) . فمنها علم الحروف ، وهو فرع من علم الجفر ، يشرح خواصّ الحروف وطبائعها الخفيّة مستندا إلى أصول يستمدّها من حساب الجمل والكيمياء والقرانات . وإلى الحروف بهذا المعنى نسبت الحروفيّة ، وهي فرقة أسّسها فضل اللّه الأسترآبادي في إيران في أواخر القرن الثامن الهجريّ . وكتابنا لا صلة له بهذه العلوم وهذه الفرقة ، فالفارابيّ كتب في إبطال الكيمياء والتنجيم ، وكان بعيدا عن هذه العلوم . وإنّما وجب ذكرها لدفع الالتباس . والحروف قسمة كبرى من أقسام القول والألفاظ الدالّة ، وهي التي يسمّيها نحويّو اليونان « الأدوات » ونحويّو العرب « حروف المعاني » أو « الحروف التي وضعت دالّة على معان » ( الفارابيّ « شرح . . . العبارة » ص 43 ، س 9 ، « الألفاظ » ص 42 ، س س 7 - 8 ) . فسيبويه ، مثلا ، يقول في باب علم ما الكلم من العربيّة « فالكلم اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل . . . وأمّا ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل فنحو ثمّ وسوف وواو القسم ولام الإضافة ونحو هذا » ( « كتاب » سيبويه ، ج 1 ، ص 2 ) . والفارابيّ يقبل هذه القسمة وإن اختلفت الأسماء عنده . فما يسمّيه سيبويه « الكلم » يسمّيه الفارابيّ « الألفاظ الدالّة » ، وما يسمّيه سيبويه ونحويّو العرب « الأفعال » يسمّيه الفارابيّ « الكلم » ،